المركز الإعلامي - المقالات

المشاركة المجتمعية وتدبير الأزمات نحو تحقيق التنمية: أي دور المجتمع المدني؟

المشاركة المجتمعية وتدبير الأزمات نحو تحقيق التنمية: أي دور المجتمع المدني؟

بقلم:يوسف دحواي

رئيس جمعية الانوار للتربية والثقافة

 

 

يتميز العمل المدني بالمغرب بأهمية بالغة، بفضل مجموعة من العوامل الخارجية والداخلية التي أعطت الجمعيات مكانة متميزة في التنمية المحلية والوطنية، وكذلك في عملية صنع السياسات العمومية، والتي فرضت الانتقال من الديموقراطية التمثيلية إلى الديموقراطية التشاركية، حيث أصبح الخطاب السياسي المغربي الراهن، يؤكد على دور الفاعل المدني، باعتباره من أبرز الفاعلين المشاركين في تحقيق أهداف التنمية[1]، ويتضح هذا الأمر بشكل جلي في الصلاحيات الدستورية التي أصبح يتمتع بها المجتمع المدني بشكل عام، والفاعل الجمعوي بشكل خاص في الدستور المغربي لسنة 2011،[2]  

ويمكن تعريف المشاركة المجتمعية على أنها "اشتراك المواطنين في المشاريع التنموية المحلية لتنمية المجتمع على أساس من الوعي والانتماء بحيث لا يفعلون ما يتعارض مع مصلحة المجتمع المحلي وحتى ينتفع بمشاركتهم"[3]، في حين اعتبر آخر أن المشاركة المجتمعية هي" العملية التي يقوم بها أفراد من خلال إسهامات حرة واعية في صياغة نمط الحياة للأفضل من جميع النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية"[4].

تكمن أهمية موضوع المشاركة المجتمعية في تدبير الأزمات وتحقيق التنمية في كون المجتمع المدني أصبح شريك للدولة وفاعل يفرض نفسه داخل المجتمع المغربي، وقد انطلق هذا البحث من إشكالية: ما مدى فعالية المشاركة المجتمعية في تدبير الأزمات؟

للإجابة على الإشكال المطروح، تم تقسيم الموضوع إلى شقين، حيث تناولنا مظاهر وأليات المشاركة المجتمعية في بالمغرب(أولا)، ثم سلطنا الضوء على التحديات التي تواجه المجتمع المدني في تحقيق التنمية(ثانيا)

 

أولا: مظاهر وآليات المشاركة المجتمعية بالمغرب

بعد موجات الاحتجاج التي شهدها الشارع المغربي خلال العقد الأول من الألفية الثانية، تحت مسمى "الربيع العربي"، وخروج مجموعة من الفعاليات للمطالبة بالإصلاح والتغير، كان من ردود أفعال النظام السياسي المغربي، تعديل دستوري شامل عبر استفتاء شعبي سنة 2011، كما عرفت هذه الفترة بالانفتاح على كل شرائح المجتمع وإشراكهم في الحل من أجل تحقيق المطالب الشعبية عبر حوار اجتماعي قطاعي جمع بين الجهات الرسمية وممثلين المجتمع المدني.[5]

وقد نص الدستور المغربي لسنة 2011 على آليات إشراك المجتمع المدني في صنع القرار سواء على المستوى المحلي او الوطني، وذلك من خلال الفصل12من الدستور المتعلق بالجمعيات، والفصل 13 المتعلق بهيئات التشاور العمومي، ثم الفصل 14 المتعلق بالحق في تقديم الملتمسات في مجال التشريع من طرف المواطنين والمواطنات، إضافة الحق في تقديم العرائض إلى السلطات العمومية المنصوص عليها بموجب الفصل15 من نفس الدستور، كما أن الفصل 139، قد أعطى الحق للمواطنات والمواطنين والجمعيات في المشاركة الترابية عبر آلية تقديم العرائض لمجالس الجماعات الترابية.[6]

وفي خضم الصراع بين الفاعل المدني والفاعل السياسي، حاول هذا الأخير ضم الفاعل المدني وتجاوز الصراع، من خلال الحوار الوطني حول المجتمع المدني المنعقد سنة 2014، حيث عبرت فعاليات المجتمع المدني خلال هذا الحوار على عدم رضاها على أوضاع المشاركة المجتمعية داخل الدولة، وكثرة التضيق من طرف السلطات الإدارية، وعدم الوضوح في كيفية ممارسة المهام المخولة للمجتمع المدني من خلال دستور 2011.[7]

الشيء الذي تفاعل معه المشرع المغربي عبر إخراج قوانين تنظيمية تتعلق بآليات المشاركة المجتمعية، فكان أبرزها القانون التنظيمي رقم [8]14.64 المتعلق بكيفية وشروط تقديم ملتمسات في مجال التشريع من طرف المواطنات والمواطنين، ثم القانون [9]14.44 المتعلق بكيفية وشروط تقديم عرائض إلى السلطات العمومية، ناهيك عن إخراج القوانين التنظيمية للجماعات الترابية والتي تتضمن كيفيات وشروط ممارسة الحق في تقديم عرائض على المستوى الترابي.[10]

وبالتالي أصبح المجتمع المدني في المغرب يعرف نوع من الدينامية والتحرك في مجموعة من المجالات والمساهمة في تدبير مجموعة من الأزمات وتحقيق التنمية، وتنامي أدوار منظمات المجتمع المدني مع ازدياد الحاجة إلى انخراط جهات إضافية في مهام وبرامج التنمية وإدارة الأزمات، لاسيما بعد قصور أجهزة الدولة في تلبية الاحتياجات الاقتصادية المتزايد للمواطنين وبات من الضروري العمل على تحقيق هذه المتطلبات، كما لابد من توسيع المجال أمام منظمات المجتمع المدني لتصبح شريكا في عملية التنمية وتدبير الأزمات والكوارث، في مجموعة من المجالات.[11]

ويلعب المجتمع المدني دورا بارزا في عملية البناء والتغيير الاجتماعي وهذا ما أدى إلى تعاظم دوره في مجال الدفع بعجلة التنمية المحلية خاصة في العقدين الآخرين مع تراجع دور الدولة في هذا المجال نتيجة الأعباء الكبيرة التي تتحملها في مجال التمويل ونتيجة لهذا الوضع أعطت كثير من الدول المقاربة للمجتمع المدني باعتباره من الفواعل المهمة التي تلعب دورا بارزا في المساهمة بالدفع بالتنمية المحلية وتدبير الأزمات عن طريق شراكة مبنية على توجهات واستراتيجية صحيحة.

ثانيا: إكراهات المجتمع المدني في تحقيق التنمية

لا جدال بأن المجتمع المدني في معظم الدول العربية اليوم لازال يعاني من الهشاشة  وضعف النمو، وضعف التعاون بينه وبين الفاعلين الرسميين ، فمن العوامل التي تؤدي إلى عرقلة التعاون بين الحكومات والمجتمع المدني من أجل تجاوز الأزمات، هو سيطرة الحكومات على الاقتصاد والعوائق التي تفرضها على منظمات المجتمع المدني نظرا لقدرتها على تعبئة الجماهير، ونشر رأس المال الاجتماعي إلى جانب قيامها بتغيير الثقافة المجتمعية وممارستها للمساءلة الخارجية على السياسات والممارسات الحكومية[12] .

وقد دعت الكثير من المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة إلى ترقية وتفعيل مشاركة المواطنين مع الحكومات في برامج التنمية الشاملة والاستفادة العادلة من الثروات مما يخدم السلم الاجتماعي والنمو الاقتصادي، وكذلك تجاوز الأزمات، نظرا لما يمكن أن تقدمه المشاركة الفعالة للمواطنين من خلال تنظيماتهم الحرة والطوعية والمستقلة في ظل التحولات الكبرى من الاقتصاد الموجه إلى الاقتصاد الحر في إطار الشراكة والتكامل بين مؤسسات المجتمع المدني والحكومة والقطاع الخاص، وهو الثلاثي الرئيسي للعملية التنموية[13].

وتظهر هذه التحديات، إذا ما نظرنا إلى  تحقيق المشاركة المجتمعية في الدول العربية نجد أن هذا المعطى يظل بعيدا عن المستوى المطلوب، ولربما ما زالت العوامل الداخلية الدافعة لتغيير الأدوار والوظائف التقليدية غير متوفرة في الساحة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، بيد أن العوامل الخارجية عاصفة وبقوة نحو تغيير تلك الأدوار مما يجعل السؤال ملحا عن مال الدولة الوطنية في ظل رياح تلك العوامل ورياح التغيير والعولمة ، وهل المشاركة المجتمعية تساهم في النهوض بالدول وتحقيق التنمية وخاصة الدول العربية من أجل بناء دول اجتماعية تعتمد على المشاركة في اتخاذ القرار وتدبير الأزمات. [14]

خاتمة:

يمكن القول أن العمل المجتمعي التطوعي أصبح أحد أهم مرتكزات تنفيذ أهداف واستراتيجيات المشاركة المجتمعية في تدبير الازمات وتحقيق التنمية في مختلف البلدان على حد سواء، حيث برزت مفاهيم جديدة حول المشاركة الشعبية والتطوع مثل "المشاركة المجتمعية" ، "الجهود الذاتية" ، "الاعتماد على الذات" ، وأصبحت هناك علوم تهتم بتقييم أعمال الجمعيات والهيئات التطوعية من خلال معايير وأسس علمية تهدف إلى تصحيح مسارها وضمان تحقيق أهدافها وفق أفضل الأساليب ، كما تدرجت تلك الجمعيات من محلية على مستوى الحي إلى وطنية ثم إقليمية فدولية. غير أن المجتمع المدني لازال يعاني من بعض الاكراهات خلال المشاركة المجتمعية يستوجب معها حل يجعل من المجتمع المدني شريك حقيقي للدول.

 

 

 

 

 

 

 

 



[1] - جاز مولاي هشام، "العمل الجمعوي والديمقراطية التشاركية بالمغرب ... أية آفاق؟"، المنارة للدراسات القانونية و الإدارية ع. 21 (كانون الأول 2017)، ص1.

[2] - الفصل 12 من دستور المغرب لسنة 2011: تُؤسس جمعيات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية وتمارس أنشطتها بحرية، في نطاق احترام الدستور والقانون.

لا يمكن حل هذه الجمعيات والمنظمات أو توقيفها من لدن السلطات العمومية، إلا بمقتضى مقرر قضائي.

[3] محيي الدين صابر، الإدارة المحلية ودورها في تنمية المجتمع، سرس الليان، مطبعة مركز تنمية المجتمع، 1962، ص 166.

[4] مريم مصطفى، العوامل الاجتماعية المؤثرة في تنمية المجتمع، كلية التربية جامعة المنصورة، 1986، ص 172.

[5] -أنظر: وثيقة إتفاق الحوار الاجتماعي الموقعة بين الحكومة المغربية والمركزيات النقابية والإتحاد العام لمقاولات المغرب، بتاريخ 26 أبريل 2011.

[6] - يقصد بالجماعات الترابية في المغرب: الجهات المنظمة بموجب القانون 14.111 ومجالس العمالات والاقاليم المنظمة بموجب القانون 14.112والجماعات المنظمة بموجب القانون 14.113.

[7] - وثيقة "الحوار الوطني حول المجتمع المدني: التقرير التركيبي"، الصادرة عن وزارة المكلفة بالعلاقة مع البرلمان والمجتمع المدني، سنة 2014، ص 33.

[8] - تم تعديله وتغيره بموجب القانون71.21.

[9] - تم تعديله بموجب القانون 70.21.

[10] القانون 14.111 المتعلق بالجهات

ـ القانون 14.112 المتعلق بالعمالات والاقاليم

ـ القانون 14.113 المتعلق بالجماعات

[11]   مفتاح حرشاو، "الحوكمة المحلية كألية لتحقيق التنمية المحلية المستقبلية في ظل الشراكة المجتمعية"، مجلة أبحاث ودراسات التنمية، المجلد 08، العدد (2ديسمبر/2021).، ص 193.

[12]   فيروز زرافة، "دور المجتمع المدني في تفعيل المشاركة المجتمعية"، مرجع سابق، ص 30.

[13]   خروع أحمد، حصيلة القانون الدولي للتنمية، (الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية،1995)، ص 40.

[14]   قنديل أماني، المجتمع المدني في مصر في مطلع ألفية جديدة، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 2000، ص 108.