المركز الإعلامي - المقالات


                                                                                        article image

حين تتحول الذاكرة إلى شفرة: هل نُسلِّم تراثنا للآلة ونُطفئ الكتاب؟

حين تتحول الذاكرة إلى شفرة: هل نُسلِّم تراثنا للآلة ونُطفئ الكتاب؟

بقلم د/محمد ممدوح عبد الله 

رئيس قطاع تطوير الجمعيات الأهلية بمؤسسة مصر الخير 

 

 

لا شك أن الرقمنة أحدثت ثورة هائلة في عالم المعرفة؛ فأصبح بالإمكان تخزين آلاف الكتب في جهاز واحد، والبحث داخل ملايين الصفحات خلال ثوانٍ، وإتاحة الكتب القديمة والنادرة للباحثين في أي مكان، كما أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على الفهرسة والتصنيف والمقارنة والترجمة واستخراج المعلومات بسرعة غير مسبوقة. وهذه مزايا حقيقية تجعل الاتجاه نحو رقمنة التراث والكتب التاريخية والدينية والثقافية أمراً مهماً وضرورياً.

 

لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الرقمنة من وسيلة لحماية الكتاب وإتاحة الوصول إليه إلى بديل كامل عنه، وعندما نصل إلى قناعة بأن النسخة الإلكترونية تغني عن النسخة المطبوعة، ثم نبدأ في إتلاف الكتب الأصلية أو التوقف عن طباعتها، حتى تصبح الذاكرة الرقمية هي المصدر الوحيد للمعرفة.

 

فالكتاب القديم ليس مجرد كلمات يمكن تحويلها إلى ملف إلكتروني. فالنسخة الأصلية قد تحمل قيمة تاريخية وعلمية في نوع الورق، والحبر، والتجليد، والأختام، وعبارات الإهداء، والملاحظات التي كتبها أصحابها على الهوامش، والفروق بين الطبعات. وفي كثير من الأحيان يكون الأصل نفسه دليلاً يستطيع الباحث الرجوع إليه للتحقق من صحة النص.

 

وتزداد الخطورة عندما تصبح النسخة الرقمية الوحيدة هي المرجع المعتمد. فخطأ صغير في المسح الضوئي أو في تقنية التعرف الضوئي على الحروف قد يغير كلمة أو جملة، ثم تنتقل هذه النسخة الخاطئة إلى قواعد البيانات ومحركات البحث وأنظمة الذكاء الاصطناعي، فتتكرر المعلومة الخاطئة آلاف المرات حتى تبدو وكأنها حقيقة. وفي الكتب التاريخية والدينية والتراثية قد يكون تغيير كلمة واحدة ذا أثر كبير في المعنى.

 

ولنتخيل كتاباً تاريخياً نادراً جرى تحويله إلى ملف رقمي ثم أُتلفت نسخه الورقية. إذا تعرض الملف لاحقاً للتعديل، عمداً أو نتيجة خطأ تقني، فلن يكون أمام الباحث أصل مستقل يستطيع المقارنة معه. أما إذا ظلت النسخ المطبوعة موجودة في مكتبات متعددة، فإن أي تغيير يمكن اكتشافه بالمقارنة.

 

وهناك خطر آخر يتمثل في السيطرة على بوابة المعرفة. فالكتاب المطبوع الموجود في مكتبة أو منزل يظل متاحاً دون الحاجة إلى منصة أو اشتراك أو نظام تشغيل أو اتصال بالإنترنت. أما الكتاب الرقمي فقد يصبح مرتبطاً بمنصة أو قاعدة بيانات أو شركة، وإذا تغيرت شروط الوصول أو توقفت الخدمة أو تلفت وسائط التخزين، فقد يصبح المحتوى غير متاح رغم أنه كان محفوظاً رقمياً.

 

كما أن الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى انتقال الإنسان من قراءة المصدر إلى قراءة تفسير الآلة للمصدر. فإذا سأل الباحث الذكاء الاصطناعي عما قاله مؤلف معين واكتفى بالإجابة دون الرجوع إلى الكتاب، فإنه قد يحصل على تلخيص مبتور أو تفسير غير دقيق أو معلومة مأخوذة من نسخة ناقصة. وهنا تصبح الآلة وسيطاً بين الإنسان والمصدر، وقد تؤثر طريقة عرضها للمعلومات في فهم الأجيال القادمة للتراث.

 

ومع ذلك، لا ينبغي أن يكون الحل هو رفض التكنولوجيا. فالمشكلة ليست في الرقمنة، وإنما في تحويلها إلى بديل عن الأصل. المطلوب هو بناء ذاكرة مزدوجة: نسخة ورقية محفوظة وفق معايير علمية، ونسخ رقمية متعددة محفوظة في أكثر من مؤسسة وموقع، مع الاحتفاظ بصور الصفحات الأصلية إلى جانب النص القابل للبحث.

 

ويجب أن يحمل كل ملف رقمي بيانات واضحة عن مصدره، والطبعة التي جرى تصويرها، وتاريخ الرقمنة، والجهة التي قامت بها، مع وجود نظام للتحقق من عدم تغيير الملفات. كما ينبغي ألا تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي باعتبارها مصدراً نهائياً، وإنما أداة تساعد الباحث على الوصول إلى المصدر، مع إتاحة رقم الصفحة وصورة الصفحة الأصلية متى أمكن.

 

والأهم أن تتبنى المكتبات والجامعات ومراكز الوثائق سياسة واضحة تمنع إتلاف الكتب التراثية والتاريخية لمجرد الانتهاء من رقمنتها، وأن يستمر إنتاج الطبعات الورقية المهمة، لأن تعدد النسخ يمثل أحد أهم عناصر حماية الذاكرة من الخطأ أو التلاعب أو الضياع.

 

إن المستقبل ليس في الاختيار بين الكتاب والشاشة، بل في الجمع بينهما. نستخدم التكنولوجيا لتسهيل الوصول إلى المعرفة، ونستخدم الذكاء الاصطناعي للبحث والتحليل، لكننا نحافظ على الكتاب باعتباره شاهداً مادياً على ما وصل إلينا من معرفة.

 

فالذاكرة التي تعتمد على نسخة رقمية واحدة يمكن أن تتغير أو تضيع، أما الذاكرة التي تحتفظ بالأصل وتستفيد من التكنولوجيا في الوقت نفسه، فتمنح الأجيال القادمة شيئاً أهم من المعلومات: تمنحها القدرة على التحقق من المعلومات.

 

ولهذا فإن الحفاظ على الكتاب المطبوع ليس عودة إلى الماضي، وإنما تأمين للمستقبل؛ لأن الأمة التي تتخلى عن أصول ذاكرتها قد تجد نفسها يوماً تملك ملايين الملفات، لكنها لا تملك الوسيلة التي تعرف بها أيها كان الأصل.